عندما تسأل بائعا في الكثير من البلدان “الكافرة الفاجرة” عن ثمن حذاء ما، يجيبك بثمن محدد، هو نفسه الموجود عند زميل له في الحرفة حتى ولو كان في مدينة أخرى، أما عندنا في المغرب البلد المسلم المتدين، فعندما تسأل البائع عن ثمن حذاء ما، يجيبك بما يتجاوز قيمته بأضعاف ثلاث، ولما تذهب عند زميل له يخبرك بثمن أكبر بأضعاف أربع، وبعد معارك ضارية من أجل خفضه، تعود من حيث أتيت سعيدا بصيدك الثمين الذي خلت ثمنه مناسبا، فتلتقي بصديقك الذي يتفقد حذاءك الجديد، ليخبرك أنه سبق أن اقتناه بنصف الثمن الذي اشتريته به..
تحاول ما أمكن إقناع نفسك بأن هذا الحذاء أصلي ومصنوع في إيطاليا كما أخبرك البائع، لكنك تكتشف فيما بعد أنه حذاء صيني بدأت جوانبه تتآكل، وأن ذلك البائع الذي أقسم على إيطالية حذاءك، “قولبك” بالمعنى الحقيقي للكلمة، فتحاول أن تداري خيبك، لتتوجه إلى أقرب إسكافي لإصلاح ما يمكن إصلاحه، “الخراز” يعيد لك حذاءك بعد ساعات مؤكدا أنه لن يفتح فمه مرة أخرى ولن يحرجك أما أصدقاءك في العمل، لكن وبعد صعود بسيط إلى الحافلة متوجها إلى عملك، تكتشف أن اللصاق الذي أغلق فم حذاءك لصاق مغشوش، وأن حذاءك صار جائعا بشكل متواصل بحيث لا ينفع معه سوى الضغط عليه جيدا والتحرك ببطء كي لا يكتشف الناس فضيحتك..
حتى الشعائر الدينية لم تسلم من مرضنا، هناك شركات أسفار تقتات من رغبات حجاجنا بتأدية فريضتهم فتتلاعب في أسماءهم وتضيف مصاريف وهمية لرحلتهم، وهناك من يبيعك تمر رمضان على أنه قادم من تونس والعراق فلا تجد داخله سوى الدود والحشرات القادمة من رفوف الباعة بعدما بقي لسنوات داخلها، وهناك من يبيعك لباس الصلاة الذي تريد أن تفاخر به يوم العيد، فتجد أن ثوبه لم يكن يستحق نصف الثمن الذي دفعته، وأن مسحة الوقار والعبادة التي تغلف وجه البائع ليست في النهاية سوى تقنية لجذب الزبناء كما تفعل الشركات الكبرى عندما توظف الفتيات الجميلات في الاستقبال ليقنعنك بصوتهن الحلو ودلالهن بجودة المنتوج..
حتى خروف العيد الذي نحيي به شريعة دينية يحترمها جميع المغاربة، لم يسلم هو المسكين من هذه “القوالب” وهذا الغش الذي تجاوزنا فيه كل الحدود ، فالمغاربة يقدمون له “الملحة الحية” لكي ينتفخ وتبرز عضلاته بما يجذب أعين الزبناء، ليتحول خروف ضعيف البنية لا يتجاوز ثمنه 1500 درهم إلى “رامبو” الخرفان الذي تصل قيمته لأزيد من 3000 درهم، وهناك من ينفخون فيه باستخدام “بومبة السيلكيس”، وهناك من يصر على تنظيف أسنان خروفه بمعجون لهذا الغرض كي تظهر ناصعة البياض وتخفي الرائحة الكريهة لخروف لم يكن يقتات سوى على الأزبال، بينما هناك من أوصلته درجة ذكاءه إلى حد تحطيم العمود الفقري للخروف كي يتمدد ظهره ويكبر حجمه..
نحن شعوب غشاشة، لكن كبريائنا المريض يأبى الاعتراف، نغش في كل شيء، تشتري شقة بعد رحلة توفير أخذت منذ سنوات من الجهد والعمل المتواصل، فتكتشف أن تلك الجدران التي تحيط بأمتارك القليلة تحتاج إلى هدم وإلى إعادة بناء وأن حتى مقابض الغرف هي من أرخص ما يكون وستتعطل أيام فقط بعد استخدامها، تشتري ثلاجة من شخص يبكي في السوق بأن عليه إجراء عملية جراحية ويحتاج لبيع أثاثه، فتكتشف أن الثلاجة الموعودة لا محرك لها ولا وجود لتلك العملية الجراحية ولا وجود أصلا لذلك الاسم الذي باعها لك، وتقتني كيلوغراما من العسل الحر على أنه حقيقي لتجد أن اشتريت سائلا سكريا ليس إلا..
غشنا في التجارة امتد ليشمل حتى حياتنا الشخصية، فصار الغش في العلاقات هو السائد، الكثير من فتياتنا يتزوجن طمعا في السيارة والمنزل والحساب البنكي وليس حبا في الزوج، والعكس كذلك صحيح عندما يتزوج بعض الرجال الموظفات كي ينعم بأجرها وكي تساهم في تأدية مصاريف الكراء والتسوق وليس لحبه لها، لدرجة أن صار السؤال الأساسي في الكثير من الزيجات: “واش راك خدامة بعدا؟” بل أن الغش امتدت شرايينه لتصل حتى علاقاتنا الأسرية ما دام الكثير من الأبناء يتقربون من آباءهم وهم على قيد الحياة كي ينعموا بأملاكهم بعد انقضاء أجلهم ..
وكل عام والغش بألف خير..