عقدة الجنس

كتبه كتب في 26 يونيو 2012 - 1:13 م
مشاركة
AisPanel

عقدة الجنس

إسماعيل عزام 
في كل مرة يثار نقاش ما حول الجنس بالمغرب، تقوم الحروب الكلامية والغزوات الصوتية المنددة بهذا النقاش، والتي تصور كل من يتحدث عن هذه الإشكالية العميقة بالحداثي جدا والعلماني جدا والمتحرر جدا الذي يريد تقليد الغرب واستنساخ القيم الغربية، فصار هذا النقاش بدعة حتى ولو كان الهدف منه هو الرغبة في الكشف عن ظواهر معينة يمارسها المجتمع سرا ويكذبها جهرا..

بصريح العبارة، فهذا البلد يسبح في تناقض غريب فيما يخص إشكالية الجنس: قوانين تكيل بمكيالين بتهمة الفساد، وواقع يعشش فيه هذا الذي يسميه القانون فسادا، فصار هذا البلد قبلة للباحثين عن المتعة الجنسية الذين لا يسري عليهم هذا القانون، بينما يسري على فئة معينة من هي من تدفع ثمن تناقض قانوني وأخلاقي تعيشه الدولة والمجتمع، هذا القانون كان من الممكن أن يكون مقبولا لو كان يطبق على الجميع بالتساوي-حتى ولو كان غير مقبول من الناحية الكونية لحقوق الإنسان-، لكن ما دام المعنيون به يخرجون عن نطاق من يستعمر المدن السياحية والشقق المفروشة والحانات والكازينوهات، ويخرجون عن دائرة أصحاب الشكارة الذين يغيرون الكثير من بناتنا كما يغيرون جواربهم، فوجوده صار مثل وجود شجرة بلغت من الشيخوخة عتيا تحاول جاهدة إخفاء الكثير من الحرائق بغابة من الغابات..

النقاش حول قانون يتعلق بالحريات الجنسية يبين لنا النفاق الذي تغرق فيه الأغلبية داخل هذا المجتمع، فشخصيا الموقف الذي كان لدي من هذا القانون هو طريقة تعامل الدولة به وتوظيفها له ضد ناس معينين مقابل إغفال النظر عن ناس آخرين معروفين يخرقونه كل ليلة (والدليل على ذلك قضية هند زروق)، غير أن مجرد فتح السؤال حول هذا القانون جعل المواقع الإخبارية والشبكات الاجتماعية تغرق في دعاوى تتمنى جحيم الآخرة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي دعت إلى إلغاء القانون المجرم للعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وهي ذات التنظيم الذي يدافع عن المقهورين في هذا البلد بشجاعة لم يقدر عليها أي تنظيم آخر، ودفعت في سبيل ذلك العديد من التضحيات التي لا يعرفها أغلب من يدعو الله على خديجة الرياضي.

أبرز مثال على هذا التناقض الاجتماعي، هو أنني كنت قد طرحت تساؤلا في الفايسبوك حول تلك الفتاة العانس التي تجاوزت الثلاثين ولم تسعفها الحياة في الدخول لقفص الزوجية، وهو المثال المتفشي بكثرة في المغرب، حيث سألت عن طريقة ممارسة هذه الإنسانة لحقها في ممارسة غريزة طبيعية في ظل هذا المشكل، غير أنه لا أحد من المعلقين أعطى حلا واقعيا، بل غرق الجميع في النصح والإرشاد والحلول الرومانسية، رغم أن هذه الفئة من الفتيات تعاني كثيرا في بلادنا وتنتظر فتح نقاش شجاع حولها وإيجاد حلول لا تكون بالضرورة تشجيع الجنس خارج مؤسسة الزواج، وإنما قد تكون هناك حلولا أخرى يشترك فيها الجميع بمن فيهم رجال السياسة والمجتمع والدين..

عدد حالات الإجهاض السري اليومية مرتفعة جدا، وحالات ما يسمى بزنا المحارم موجودة بكثرة، والخيانة الزوجية صارت عادة في الكثير من المناطق، والطلاق الذي تسببه مشاكل الفراش هو الغالب في المحاكم إضافة لكثير من المشاكل الجنسية الأخرى تعشش بيننا، وعندما تتم المطالبة بفتح نقاش، يصورنا البعض بأننا مجتمع نقي يعيش في أمان ولا يحتاج لمثل هذه النقاشات، وحتى عندما يعترف البعض بوجود هذه المشاكل، يقول لك في جملة أن الإسلام هو الحل، ويلقي بالحمل من على كتفيه، متهربا من نقاش جدي يضع الأصبع على الجرح عوض السباحة في الفراغ..

لست ضد أن يكون الإسلام حلا إن تحررت مؤسساتنا الدينية من تخلفها وتحلى علماؤنا بالشجاعة اللازمة للاجتهاد والخروج من قوقعة النصوص الضيقة التي تبقى آخر الاجتهادات فيها تعود لقرون طويلة في سياقات مخالفة تماما لسياقنا الحالي، وهنا أعطي مثالا بالحركة الدعوية التونسية التي قننت تعدد الزوجات منذ مطلع القرن الماضي، ومنعته بقوة الدين والقانون رغم بعض النصوص الدينية الواضحة في هذا المجال، هكذا، استطاعت المرأة التونسية أن تضمن لنفسها عددا من الحقوق الكونية رغم تعاقب الحكومات العلمانية والإسلامية، بينما نحن في المغرب، يتغذى مجتمعنا على نصوص دينية عتيقة وعلى قوانين ميتة، فصرنا شعبا منافقا بامتياز، يتحدث عن الطهارة وهو يدمن العفن، يتحدث عن الأخلاق في الجهر وينتهكها في السر، ينادي بتجريم الجنس خارج مؤسسة الزواج، ولما تجده يخون زوجته يجيبك : إوا الله يهدينا..

مجمعتنا يحتاج الجرأة للحديث عن مشاكله، ومخطئ من يقول أن النقاش حول الجنس هو نقاش تافه عقيم، فبسبب مشاكل جنسية، شردت العديد من الأمر والعائلات، وانتحرت العديد من الفتيات، وسجن الكثير من الرجال، وقطعت العديد من الأرحام، لذلك فالنقاش حول عقدنا الجنسية نقاش صحي ومفيد شأنه شأن جميع نقاشاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإلا فسنبقى نخفي ضوء الشمس بالغربال وهو ذات الضوء الذي يظهر عوراتنا واضحة ومكشوفة للعيان..
ismailoazzam@gmail.com

http://www.facebook.com/azzam.page 

الجريدة الإلكترونية تيفلت بريس Tifeltpress.com المؤسسة الصحفية: TIF PRESS شهادة إيداع مسلمة من النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالخميسات تحت رقم 01/2018 طبقا لقانون الصحافة والنشر 88.13 tifeltpress@gmali.com الشركة المستضيفة : heberfacile