عبد العالي بوعرفي – تيفلت بريس
في أجواء فنية وثقافية متميزة، وبحضور جماهيري لافت، أسدل المهرجان الدولي للموسيقى المعاصرة والتراث الشعبي بمدينة جرسيف الستار على واحدة من محطاته البارزة، من خلال سهرة فنية كبرى احتضنتها مساء يوم السبت 17 أكتوبر الجاري ساحة 6 نونبر، في إطار فعاليات دورته الثامنة، المنظمة بدعم من وزارة الثقافة، وتحت شعار: «تخليد الذكرى الأولى لعيد الوحدة المجيد وذكرى المسيرة الخضراء المظفرة».
ويأتي تنظيم هذه التظاهرة الفنية والثقافية من طرف جمعية الطرب للموسيقى والفلكلور الشعبي، بتنسيق مع عمالة إقليم جرسيف، وبشراكة مع جماعة جرسيف، في سياق الجهود الرامية إلى صون الموروث الثقافي والفني، وتعزيز حضور المدينة ضمن المشهد الثقافي الوطني، فضلاً عن التعريف بمؤهلاتها السياحية والثقافية وتسويق صورتها إعلامياً على المستويين الوطني والدولي.
وشهدت ساحة 6 نونبر بمدينة جرسيف، مساء السبت، حضوراً جماهيرياً مهماً، إلى جانب عدد من المسؤولين والمنتخبين والفعاليات المحلية، من بينهم باشا المدينة، وقائدة الملحقة الإدارية، ورئيس المجلس الجماعي، وممثل المصالح الأمنية، فضلاً عن شخصيات أخرى حضرت لمواكبة هذا الموعد الفني الذي بات يشكل محطة بارزة ضمن الأجندة الثقافية للمدينة.
واستهلت فقرات السهرة بالاستماع إلى النشيد الوطني، في أجواء طبعتها مشاعر الاعتزاز بالهوية الوطنية، قبل أن يتناول الكلمة مدير المهرجان، عبد اللطيف حيحي، الذي عبّر عن اعتزازه بالنجاح الذي عرفته هذه الدورة، منوهاً بالدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة للمهرجان، وبمساهمة مختلف الشركاء والمتدخلين في إنجاح هذه التظاهرة.
كما تقدم مدير المهرجان بالشكر إلى عامل إقليم جرسيف، والسلطات المحلية، والمجلس الجماعي، والمصالح الأمنية، والقوات المساعدة، والفنانين المشاركين، وضيوف المهرجان، وكافة الداعمين، مثمناً في الوقت ذاته تفاعل ساكنة جرسيف وحضورها المكثف، الذي عكس اهتمامها بالفن والموسيقى وحرصها على مواكبة الأنشطة الثقافية التي تحتضنها المدينة.
ولم يفوت مدير المهرجان التنويه بمشاركة ضيفة الدورة، الشاعرة التونسية إيناس المهذبي، التي لبت دعوة المنظمين، وأسهمت بحضورها ومشاركاتها في إغناء البرنامج الثقافي والفني لهذه التظاهرة، بما يعزز بعدها الدولي ويفتح المجال أمام التبادل الثقافي بين التجارب الإبداعية المغربية ونظيرتها العربية.
وشكلت لحظات الاعتراف والتكريم إحدى أبرز محطات السهرة، في مبادرة تروم تثمين المسارات الفنية والثقافية للشخصيات التي أسهمت في خدمة الفن والتراث الشعبي، وتعزيز الإشعاع الثقافي لمدينة جرسيف والجهة الشرقية.
وفي هذا السياق، جرى تكريم الشاعرة التونسية إيناس المهذبي، والفنان التشكيلي الدكتور عمر غريسي، إلى جانب الحاج محمد البريشي، وعلي الجفاوي، وعبد الصمد أزروال، ومصطفى عدو، وسميرة يعقوبي، في التفاتة تعكس حرص الجهة المنظمة على ترسيخ ثقافة الاعتراف وتكريم الكفاءات والفعاليات التي أسهمت، كل من موقعه، في خدمة الثقافة والفن والعمل الاجتماعي.
وعرفت المناسبة كذلك تكريم رئيس المجلس الجماعي لجرسيف ونائبه، تقديراً لمساهمتهما في مواكبة هذه التظاهرة الثقافية، في إطار الشراكة والتعاون بين مختلف المتدخلين للنهوض بالفعل الثقافي وتعزيز الدينامية الفنية بالمدينة.
وعلى المستوى الفني، قدم السهرة باقتدار الفنان محمد بقطيط ، الذي نجح في الربط بين مختلف فقراتها، مضيفاً على الأمسية طابعاً تفاعلياً مميزاً.
وكان الجمهور الجرسيفي على موعد مع وصلات من فن الهيت المحلي، الذي شكل مدخلاً للاحتفاء بالخصوصية التراثية للمنطقة، قبل أن تتواصل فقرات السهرة مع عروض موسيقية وغنائية أحياها نخبة من الفنانين المغاربة.
وشاركت في هذه الأمسية الفنانة كوثر التازي، القادمة من مدينة المحمدية، إلى جانب أبناء مدينة جرسيف من الفنانين بشارا الجرسيفي، ومحمد الصنهاجي، وحسين راي، وجواد الجرسيفي، وسيمو العيساوي، فضلاً عن مجموعة شيخات الأطلس بقيادة فريد الصبوري.
وقدمت الأسماء المشاركة باقة متنوعة من الأغاني والإيقاعات التي لامست الأذواق الفنية للجمهور، الذي تفاعل بحرارة مع مختلف الفقرات، في مشهد عكس المكانة التي تحتلها الموسيقى الشعبية وفن الراي والركادة في الوجدان الفني لساكنة جرسيف.
ولم يكن هذا التفاعل الجماهيري مجرد حضور لمتابعة العروض، بل شكل تعبيراً عن ارتباط الساكنة بفنونها المحلية واعتزازها بتراثها الموسيقي، كما منح الفنانين المشاركين فرصة للتواصل المباشر مع جمهور متذوق للفن، في أجواء احتفالية جمعت بين المتعة الفنية والاحتفاء بالهوية الثقافية للمنطقة.
وتؤكد الأجواء التي طبعت هذه الدورة أن المهرجانات الفنية والثقافية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تنشيط الحياة الثقافية المحلية، وخلق فضاءات للتواصل بين الفنانين والجمهور، فضلاً عن المساهمة في التعريف بالمؤهلات التراثية والسياحية للمدن المغربية.
ومن هذا المنطلق، يشكل المهرجان الدولي للموسيقى المعاصرة والتراث الشعبي بجرسيف مناسبة لتسليط الضوء على غنى الموروث الموسيقي المحلي، وإبراز الطاقات الفنية التي تزخر بها المدينة، إلى جانب استضافة أسماء من خارج المنطقة، بما يعزز فرص التبادل والتلاقح الثقافي.
كما تتيح مثل هذه التظاهرات إمكانية تنشيط الفضاءات العمومية، واستقطاب الزوار، وتحريك عدد من الأنشطة الاقتصادية والخدماتية المرتبطة بفترة تنظيم المهرجان، فضلاً عن تعزيز الحضور الإعلامي للمدينة والتعريف بمكانتها باعتبارها إحدى الحواضر التي تزخر بمؤهلات ثقافية وتراثية متميزة.
ويظل استمرار هذه المبادرات رهيناً بتضافر جهود المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والفعاليات الثقافية والفنية، إلى جانب دعم المبادرات الجمعوية الجادة التي تسعى إلى جعل الثقافة رافعة للتنمية المحلية.
وبنجاح هذه الدورة، تكون جمعية الطرب للموسيقى والفلكلور الشعبي قد أضافت محطة جديدة إلى مسار مهرجانها الدولي، مؤكدة قدرتها على تعبئة جمهور واسع حول برنامج فني متنوع يجمع بين الموسيقى المعاصرة والتراث الشعبي، ويمنح مكانة خاصة للفنانين المحليين إلى جانب الأسماء الفنية القادمة من مدن مغربية أخرى.
وقد عكست الاختيارات الفنية للمنظمين حرصاً على تقديم ألوان موسيقية متعددة، تستجيب لتطلعات جمهور متنوع، وهو ما تجلى في التفاعل اللافت مع مختلف العروض والفقرات التي احتضنتها منصة المهرجان.
ويعزو المنظمون هذا النجاح إلى الدعم الاستراتيجي الذي تقدمه وزارة الثقافة، وإلى مساهمة عمالة إقليم جرسيف، وجماعة جرسيف، والسلطات المحلية والأمنية، وباقي الشركاء والداعمين، فضلاً عن الانخراط الإيجابي لساكنة المدينة التي شكل حضورها المكثف أحد أبرز عناصر نجاح التظاهرة.
وبين الاحتفاء بالموروث المحلي، وتكريم الوجوه الفنية والثقافية، والانفتاح على التجارب الإبداعية العربية، يواصل المهرجان الدولي للموسيقى المعاصرة والتراث الشعبي بجرسيف ترسيخ حضوره ضمن المشهد الثقافي، فاتحاً الآفاق أمام دورة تاسعة ينتظر المنظمون أن تحمل مستجدات ومفاجآت فنية جديدة، وأن تواصل مسار تعزيز الإشعاع الثقافي لمدينة جرسيف، عاصمة الزيتون، والارتقاء بمكانتها كفضاء يحتضن الفن والإبداع والتنوع الثقافي























































