الحياة داخل السجون أفضل بكثير من الحياة خارجه بالنسبة إلى بعض الجانحين الذين ألفوا التردد عليه، سيما أنهم تأقلموا مع أجوائه وربطوا صداقات مع رواده وموظفيه، إلى درجة أصبحوا لا يطيقون العيش بعيدا عن جدرانه. في هذه الورقة مقتطفات من سيرة ذاتية لسجين قضى ثلثي عمره بالسجن بعد تورطه في قضايا عديدة.
يحكي سعيد، (اسم مستعار) فصول وتفاصيل دخوله السجن وتعوده عليه. في البداية تورط في قضية ترتبط بالضرب والجرح واستهلاك المخدرات والكحول، إذ وجد نفسه، ، داخل أسوار السجن المحلي لسيدي موسى، بعد الحكم عليه بشهور نافذة. حاول التأقلم مع ظروف سجنه والتعامل بما يضمن له العيش بسلام، من أجل كسب احترام السجناء كما الموظفين.
وبعد قضائه لعقوبته الحبسية، خرج لاستئناف حياته بشكل عاد، حاول الابتعاد عن كل مصادر المشاكل، لكنه وجد نفسه من جديد ينخرط في ممارسات وأفعال قادته من جديد إلى السجن بعد الحكم عليه بأربع سنوات حبسا نافذا، من أجل السكر والتخدير والضرب والجرح ومحاولة الاغتصاب.
عاد إلى حياة السجن بشكل مختلف، كسب تجربة كبيرة في التعامل وفرض السيطرة على بقية السجناء، وأصبح مهاب الجانب داخل أسوار السجن، واستأنس بمحيط المؤسسة السجنية وأصبح مرجعا لدى النزلاء الجدد.
وقضى العقوبة الجديدة في وضع أفضل من المرة الأولى وتعلم أشياء جديدة، ولم يعد يفكر في وقت مغادرته للسجن، بل أصبح يفضل البقاء داخله، على الأقل فهو مطمئن لتوفر الأكل والمبيت والتطبيب، خلاف خارج الأسوار، إذ سيفرض عليه ذلك العمل بصفة مستمرة لضمان قوته اليومي ومتطلباته وحاجياته الخاصة.
وبعد خروجه للمرة الثانية، وجد صعوبة في التأقلم مع وضعه الجديد، إذ لم يتمكن من الاندماج في الحياة أو الانضمام إلى سوق الشغل، ففكر في طريقة لضمان العودة السريعة إلى السجن. وانخرط من جديد في عالم الكحول والمخدرات وانضم إلى عصابة متمرسة لها علاقات بمروجين متحدرين من الشمال.
وجد العمل ضمن هذه العصابة مريحا نسبيا ومدرا لدخل قار ومحترم أسبوعيا مقابل ترويجه للمخدرات التي يتوصل بها من رئيس العصابة. وتشاء الصدف أن نشب خلاف بينه وبين أفراد العصابة، وتطور إلى حد نزاع استعملت فيه الأسلحة النارية، وأصبح سعيد مطاردا من قبل هؤلاء وتعب من خلال الهروب والعيش في الأدغال والأحراش هربا وخوفا من الوقوع في شرك العصابة الخطيرة.
وظل شريدا وكاد أن يقع في أيدي أفراد العصابة المسلحة وتعرض لإطلاق الرصاص، وأصيب جراء ذلك في ساقه وفر بجلده. وتحصل على سلاح ناري وبدأ يحرص على حمله دوما لحماية نفسه من أي هجوم أو غدر محتمل. ولما تعب من حياة التيه والضلال، فكر في العودة إلى السجن. وترصد لعدد من محترفي ترويج المخدرات وتمكن من مباغتتهم والسطو على كمية من السلع والنقود المتحصلة من عملية الترويج وتسبب في قتل أحد المروجين. وتم التبليغ عنه وعاد إلى السجن بعد الحكم عليه بخمس سنوات سجنا، قضى منها حوالي نصفها وما زال يتنقل بين المؤسسات السجنية.
تيفلت بريس – الصباح