الرئيسية كتاب الرأي المدرسة وسؤال الغاية.

المدرسة وسؤال الغاية.

كتبه كتب في 29 سبتمبر 2019 - 10:11 م
مشاركة

براهيم أقنسوس

لماذا المدرسة؟ ماذا نريد منها؟ وماذا ننتظر؟ أسئلة جوهرية علينا طرحها باستمرار، على الأقل عند كل دخول مدرسي..ماذا يعني أن ندخل إلى المدرسة ثم نخرج منها؟ ماذا يعني أن نواصل دراستنا حتى الحصول على الشهادة أو نغادر قاعات الدرس قبل الأوان؟. المؤكد أن الكثير من التمثلات، التي كنا نعتبرها بمثابة أجوبة ثابتة، قد أصابها ما أصابها من غموض وارتباك، حتى إن الكثير منا لم يعد يعرف تحديدا لماذا يرسل أبناءه إلى المدرسة اليوم؛ فالمعرفة لم تعد هي المعرفة، والتربية _ حتى بالمعنى التقليدي للكلمة _ تحولت إلى عبارة ضبابية، يضيع معها كل معنى؛ أما الشغل أو العمل الذي أضحى بمثابة الهم الأساس الذي يؤرق كل أرباب الأسر ويضنيهم فدونه خرط القتاد، كما يقال.. ماذا بقي للمدرسة لتفعله عندنا إذن؟.

إن غياب الأجوبة الواضحة والصريحة عن هذه الأسئلة الأساس (المعرفة، التربية، الشغل) هو الذي يبرر كل هذا الارتباك، وكل هذا التردد الحاصل في مناقشة ومعالجة قضايا التربية والتعليم في بلادنا؛ سؤال المعرفة، وسؤال التربية، ثم سؤال الشغل. في ما يتعلق بسؤال المعرفة، بديهيا يعتبر تقديم المعرفة الصحيحة، وتمرير التعلمات الأساس، من الأدوار الجوهرية للمدرسة، المعرفة والتعلمات التي تبني العقول وتدفعها إلى الاشتغال بشكل منهجي علمي، عبر آليات التفكير والتأمل والإبداع والنقد والسؤال، ما يعني أن المدرسة معنية بنقل المتعلم من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة، بتحويل الإنسان المتمدرس إلى كائن عاقل بامتياز، يمتلك رأيا وخطابا ولغة، عبر مسار تعليمي مضبوط، يحصل من خلاله على صفة مواطن متعلم، يحوز حدا معقولا من المعارف، والتمثلات الثقافية المعتبرة، فهل نستطيع أن نزعم أن مدرستنا تتجه حقا إلى هذا المنحى، وتريد حقا تكوين مواطن عاقل، يمتلك الحد الأدنى من آليات التفكير العلمي الرصين، والقدرة السليمة على التعبير الحر والناجع، بما يمكنه من المساهمة الجادة في بناء الوطن، بطريقته وأسلوبه الذي يختاره بعد ذلك؟.

لا يمكن أن نتحدث عن المدرسة ونحن نتهيب من دورها الأساس، ونخاف من مخرجاتها الثقافية، وهو تحويل المواطنين _كل المواطنين_ إلى متعلمين قادرين على الانخراط الإيجابي والحر في بناء بلدهم وفي مناقشة قضاياه. لست أدري كيف نتحدث عن انخراط الشباب في السياسة، بلا تعليم جيد، وواضح المعالم والأغراض. علينا أن نتجاوز عقدة الخوف من مخرجات التعليم، وأن نؤمن بأهمية التعليم الجيد الذي يبني العقول القوية والناقدة، عبر القراءة الجادة والمستمرة والدؤوبة والعاشقة للمعرفة بكل ألوانها وأطيافها الثرة، ما يعني حاجة المتمدرسين، كل المتمدرسين، وعلى قدم المساواة، إلى المواكبة البيداغوجية والتربوية، عبر آليات التوجيه والتهذيب والتحفيز.

وهنا يحضر السؤال الثاني، الذي يتطلب هو الآخر جوابا واضحا وقويا، إنه سؤال التربية، الذي يعني إكساب المتعلم مهارات التفاعل الإيجابي مع الذات ومع المجال ومع الآخر، وتمكينه من امتلاك السلوك المدني، الذي تتحمل المدرسة الدور الأكبر في إشاعته، وفي الدلالة عليه. والمؤكد بديهيا أن فاقد الشيء لا يعطيه، إذ كيف ننتظر من شبابنا المتمدرس أن يحترم مجموعة من التمثلات والأخلاقيات دون أن يكون قد تربى عليها، وتلقى بصددها التعلمات الضرورية، وبالشكل المنهجي السليم والناجع. ما يحصل اليوم بالضبط هو تراجع وضمور هاذين الدورين الجوهريين للمدرسة، المعرفي والتربوي، والسبب هو هذا الغموض والالتباس الكثير الذي أصبح يلفهما، فقد تقلص الاهتمام بسؤال المعرفة والتربية في مدارسنا إلى مستويات دنيا، وأصابه من التشوه ما أصابه، في مقابل فوران وطغيان سؤال الشغل والعمل، أو سؤال المستقبل المادي للمتمدرسين، على الأصح. من هنا تحولت المعرفة، ثم التربية، إلى ضرب من التجارة و”البزنس”، والبحث عن الربح المادي الصرف، وأصبح الانخراط في المدرسة بالنسبة إلى الكثير من الآباء بمثابة تقديم طلب عمل ضمني مقدم، يقتضي مباشرة التسجيل في مدرسة خصوصية، ودفع الكثير من المال، لضمان تحصيل أعلى النقط للرفع من حظوظ الانخراط في سوق الشغل، والحصول على عمل مدر للمال؛ فالمال المدفوع يجب أن يأتي بالضرورة بمال أوفر.

وحضور صوت المال والسوق، بالمعنى المادي للكلمة، يعني مباشرة ضمور وتراجع سؤال المعرفة والتربية، وفي المحصلة النهائية حدث انقلاب بالغ في الأدوار، فبدل أن يكون المال في خدمة المعرفة والتربية تحول الأمر إلى العكس تماما، فأصبحت المدرسة بكل حمولتها الرمزية في خدمة أرباب الأموال والباحثين عن ربح مضمون ومريح، فهيمن ما يسمى التعليم الخصوصي، أو السوقي على الأصح، في مقابل تراجع المدرسة العمومية، الراعية التقليدية للمعرفة والتربية.

والملاحظ المؤسف أنه لا حديث اليوم إلا عن الكلفة المادية للتعليم، لقد غاب تماما أو يكاد كل حديث جاد ودقيق عن الأدوار والوظائف الأساس للتعليم، سواء من قبل الجهات الوصية عن القطاع أو من قبل الآباء وأولياء المتمدرسين؛ الجميع يردد لغة واحدة قوامها كلمتان اثنتان: المال المدر للشغل، ولا شيء آخر، وحسب هذا المنطق يمكن جدا الحصول وببساطة على كل الشواهد والدبلومات، والدفع بها في سوق المضاربات للظفر بعمل جيد ومريح، ويبقى الحظ الأوفر بجانب من يدفع أكثر، وصاحب النفوذ الأكبر، وهذا مسار طويل وعريض له أهله ومنطقه وسراديبه، ولا معنى هنا ولا مجال لأي حديث عن تكافؤ الفرص بين المواطنين. علينا أن نكون صرحاء، ونطرح الأسئلة بوضوحها وتمامها، ماذا نريد من المدرسة تحديدا؟ وهل مازلنا نؤمن حقا بوظائفها التقليدية والجوهرية الأساس؛ المعرفة والتربية؟.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *