الرئيسية كتاب الرأي كبور في المدينة الكبرى.

كبور في المدينة الكبرى.

كتبه كتب في 29 سبتمبر 2019 - 10:19 م
مشاركة

رشيد بن الحاج

كبور شاب في نحو نهاية عقده الثالث، يعيش في قرية بئيسة يشتكي سكانها من عسر الحال ومن قسوة الطبيعة ونقص الخدمات… كبور على غرار شباب قريته يتبرم من واقعه الصعب ولا يستمرئه، وهو بالرغم من ذلك يكره نفسه على العمل في الفلاحة لضمان قوت أمه وأبيه العجوز وإخوانه الذكور الأربعة الذين يصغرونه سنا. عند كل مساء يروق لكبور أن يأوي إلى مقهى شعبي ذي جدران طينية وسقف من قصب، وهناك ينتحي في زاوية ويعتصم بها رفقة نفر من شباب قريته الذين قهرهم ضنك العيش وضاقت بهم الحياة.

ويخلو كبور ذات صباح إلى نفسه ويجلس شارد النظر ساهما مستغرقا في التفكير. كانت الأفكار والتساؤلات حول واقعه المر تتزاحم في رأسه، وما أسرع ما برقت في خاطره وهو على تلك الحال فكرة الهجرة إلى المدينة الكبرى، مدينة المال والأعمال التي نمى إليه أن الله يوسع رزق كل من يحل بها ويسكنها. جعل كبور يدير تلك الفكرة في رأسه حتى اختمرت واستقر رأيه على وجاهتها وعلى ضرورة تنفيذها.

وما هي إلا أيام حتى استعرت الرغبة في الهجرة في حنايا كبور فلملم أشياءه وحشرها في جوف حقيبة ظهره ثم ما لبث أن ودع أهله وأصدقاءه وتوجه إلى مدينة صغيرة مجاورة لقريته. في محطة تلك المدينة امتطى كبور القطار المتوجه إلى المدينة الكبرى، مدينة المال والأعمال… وفي مقصورة القطار حاصره للحظة شعور بالتيه والضياع، لذلك كان يجلس في سكون، يتصفح وجوه بعض المسافرين كأنه يسعى ليكلمهم أو يحادثهم أو يتقرب منهم. كان كبور يدرك أنهم متوجهون إلى مدينة لا قريب له فيها ولا معين، بيد أن نظراته لم تفتح له بابا ولم تنله مبتغى، فالركاب كانوا ما بين منشغل بهاتفه أو سارح عبر نافذة القطار بنظره أو منهمك في الحديث مع مرافقه أو مرافقته…

ويصل القطار إلى محطة المدينة الكبرى، ينزل كبور حاملا حقيبة ظهره، وما كاد يخرج من رصيف القطار نحو الباب الرئيسي للمحطة حتى شعر بلفحة الهواء الصيفي القائظ تلامس وجهه، افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة وهو يردد في نفسه “لا بأس، أنا في المدينة الكبرى”. وبعد حين انطلق يسير في طرق المدينة متمهلا من غير أن يعرف له وجهة ولا قصدا. كل الوجوه التي كانت تصافحها عيناه غريبة عنه، شعر لوهلة بالوحشة والغربة وهو ينقل خطواته بهدوء ويقلب عينيه في الأبنية الذاهبة نحو السماء وفي الشوارع المائجة بأفخر السيارات وفي الأرصفة المزدحمة بالناس والبضائع والمقاعد وفي واجهات المحلات التجارية التي تخطف أضواؤها ومعروضاتها الأبصار. كل تلك المشاهد أوحت له بأنه في حضن مدينة السعة والدعة.

راح كبور بعد ذلك يتابع سيره ويضرب في بعض شوارع المدينة الكبرى على غير هدى، وكان همه في بادئ الأمر أن يعثر على عمل يؤمن به لنفسه طعاما ومسكنا كيفما كان. لذلك كان وهو يمضي في طريقه إذا رأى معملا أو متجرا أو مقهى أو محطة بنزين مال إليها وقصد المسؤول عنها ليسأله عن عمل. بقي كبور على تلك الحال لساعات يمضي في طريقه من دون أن يظفر بطائل حتى ساقته قدماه عند منتصف الليل إلى كورنيش المدينة، وكان وقتئذ قد أعياه البحث وكلت قدماه، فعزم أن يتوقف ليستريح من عناء التجوال. وفوق رمال الشاطئ الدافئة الناعمة طرح كبور جسمه النحيل المكدود واتخذ من حقيبة ظهره وسادة أراح رأسه عليها، وما أسرع ما بدأت نسمات الهواء الصيفي المنعشة تتهادى إليه وتداعب وجهه فلم يملك إلا أن أطبق جفنيه وراح في سبات عميق.

وتطلع الشمس على الكورنيش عند الصباح وترسل أشعتها إلى جسد كبور لتوقظه. استفاق كبور وفرك عينيه المنتفختين، تنهد وهو يتنسم أنفاس الصباح المعبقة برائحة البحر ثم ارتد واقفا ونفض حبات الرمال العالقة بملابسه ونعله، وما هي إلا أن انطلق من جديد سادرا يجوب طرقات المدينة الكبرى وشوارعها بحثا عن عمل.

وتمضي أيام كبور على ذلك النحو… كان كل يوم بالنسبة إليه لا يختلف عن اليوم الذي قبله، فهو يهيم خلال النهار في أنحاء المدينة الكبرى، يقذفه شارع ويتلقفه شارع، حتى إذا انتصف الليل كان يأوي إلى كورنيش المدينة ليستريح في مضجعه الرملي الدافئ من تعب المسير.

وتوالت الأيام على كبور بئيسة حتى اشتد عيشه وساءت أحواله، إذ أمست هيئته زرية لا تختلف عن هيئة متشرد أو متسول. أما سروال الجينز الذي كان يرتديه منذ أن حل بالمدينة فقد صار رثا، وكذلك صار قميصه وحذاؤه. على حين خمدت رغبته في مواصلة البحث عن العمل وبدأ اليأس يتسرب إلى قلبه حتى حدثته نفسه يوما لمغادرة المدينة الكبرى بعد أن أوشك أن ينفد ما تبقى في جيبه من مال بسبب نفقات طعامه. غير أنه حينما طافت برأسه أحوال قريته وبؤس أهلها استسلم لقدره واعتزم ألا يعود إليها مهما كلفته الإقامة في المدينة الكبرى من متاعب ومشاق.

واتفق أن كان كبور سائرا في ظهيرة يوم في شارع مائج بالغادين والرائحين، فلما أرهقه السير ونال منه الجوع، توقف ليلتقط أنفاسه ثم اقتعد عتبة عمارة مهجورة لم يكتمل بناؤها ومدد ساقيه ليستريح. كانت العمارة على كثب من مخبزة فاخرة لا تخلو من الزبائن. وبعد حين جعل كبور يسدد نظراته إلى مرتادي المخبزة. كانت هيئات معظمهم تشي بيسر حالهم… أسند كبور بعد ذلك رأسه إلى كفه اليمنى بينما وضع كفه اليسرى على ركبته واستسلم في وجوم للتفكير في مصيره. كانت هيئته تبدو أشبه بهيئة شحاذ يستجدي الناس عطاء… وينقضي بعض الوقت ويمر بجانب كبور أحد مرتادي المخبزة ويدس في يده ورقة مالية من فئة عشرين درهما قبل أن يرتقي إلى سيارته الفاخرة. وما أسرع ما رفع كبور رأسه وحدق بذهول في الورقة النقدية فاتسعت عيناه وانشرح صدره وسرت في أوصاله انتعاشة. وبخفة طوى الورقة النقدية وحشرها في قرارة جيب سرواله ثم عاد إلى اعتماد جلسته السابقة… لم يكد ينقضي بعض الوقت حتى بدأت كف كبور تستقبل بين الحين والحين ما تجود به أيدي المحسنين من قطع نقدية… لم يكن كبور يرفع هامته كلما تلقفت كفه قطعة نقدية وإنما كان يكتفي بتحريك شفتيه ببعض التمتمات بينما تتكفل يده اليسرى بتحويل القطع النقدية إلى جيبه.

وما كاد النهار ينتصف حتى شعر كبور أنه جمع مبلغا ماليا مهما، إذ كان من حين لآخر يضرب يده إلى جيبه ويتحسس ما تجمع فيه من القطع النقدية، لكنه لم يكن ليجرؤ على عد الحصيلة خشية أن تتطلع إليه عيون الفضوليين، على حين كانت رغبته في مواصلة الجلوس في ذلك المكان قد لجت به… وقبل أن يخيم الظلام على المدينة ضرب كبور يديه إلى جيوبه فألفاها مثقلة بالقطع النقدية فامتلأت نفسه بالاعتقاد أن الله يوسع رزق كل من يفد إلى المدينة الكبرى.

ويسدل الليل ستاره على المدينة ويقل عدد مرتادي المخبزة، ويبارح كبور مكانه ثم يأوي إلى زاوية خالية من المارة ليعد حصيلة يومه من الاستجداء. وكم كانت دهشته كبيرة حين وجد الحصيلة وافرة. أفرغ كبور ما ظفر به من مال في جوف حقيبة ظهره ثم شق طريقه نحو محل تجاري لم يكن بعيدا عنه فاستبدل عند صاحبه القطع النقدية التي جمعها بأوراق مالية، ثم عاد أدراجه والسعادة تغمر قلبه إلى أن انتهى إلى مضجعه الرملي الناعم بكورنيش المدينة. وهناك ألقى بجسده فوق الرمل وكان قرير العين فرحا بما أوتي، ثم مضى يقلب عينيه بنشوة فيما جمع من أوراق مالية قبل أن يلفها جميعها بإحكام في قطعة قماش ويدسها تحت حزام سرواله. في تلك الأثناء شعر كبور بارتياح لا عهد له به، وما هي إلا أن استلقى على ظهره وتوسد حقيبته ثم راح يجيل النظر في نجوم السماء وهو يستنشق نسيم البحر، فارتسم البشر على وجهه وتنهد من أعماق قلبه قبل أن يغوص في قرارة نوم هنيء.

وعلى ذلك المنوال مضت حياة كبور حتى استقرت حاله بعد أن انقشعت سحابة شدة العيش من سماء حياته، فأصبح من مألوف عادته أن يتوجه متدثرا بلباسه الزري كل صباح إلى جوار المخبزة ويأخذ مكانه على عتبة العمارة المهجورة، ثم يطرق برأسه ويمد يده مستجديا. وكان يصرف اليوم كله وجزءً من الليل جامدا في مكانه المعهود. كان بعض الناس يرأفون لحاله ويسخون عليه بينما كان الآخرون يمرون عليه دون أن يعيروه أدنى التفات. غير أنه في كل الأحوال كان قبل منتصف كل ليلة يقفل إلى كورنيش المدينة الكبرى وهو ظافر برصيد مالي محترم يجعله يحلق في آفاق أحلام قبل أن يسلم نفسه للنوم في مرقده الرملي.

وتنقضي أسابيع معدودة والقطع النقدية تأتي عباس دون أن يكلف نفسه السعي في سبيل الحصول عليها حتى كبر في ذهنه أنه أحسن صنعا حين توقف عن البحث عن العمل وارتكن للاستجداء. وينقضي موسم الصيف ويودع كبور مضجعه الليلي بعد أن تحسنت حاله، ويستأجر غرفة متواضعة فوق سطح منزل بحي شعبي مكتظ أصبح يأوي إليها عند كل ليلة. ولأن مدخراته المالية ما فتئت تنمو يوما بعد يوم، فقد فتح كبور حسابا بنكيا، وكان كلما تجمعت لديه رزمة من الأوراق المالية سارع إلى حملها إلى البنك ليودعها فيه.

وتتعاقب الشهور وتتبدل حال كبور بعد أن تهيأت له وفرة من المال مكنته من شراء منزل صغير يقع في حي شعبي لا تتعدى مساحته ستين مترا، وهو منزل يتكون من محل تجاري وطابق. لم يجد كبور مناصا بعد أن تحسنت أحواله المادية من العدول عن استجداء الناس فاختار بيع الخضر والفواكه في محله التجاري. وما هي إلا أن بدأ يتعاطى إلى جانب البيع مهنة السمسرة في مجال العقار حتى صار وسيطا عقاريا شهيرا يعرفه أهل الحي برمته. ومع مرور الوقت بدأت تتوسع دائرة معارفه وأصدقائه، وكان من هؤلاء مقاول يشرف على بناء المنازل الصغيرة، وهو رجل لا يعرف القراءة ولا الكتابة لكنه على درجة حسنة من الغنى. وما هي إلا أن انعقدت الصداقة بين كبور وبين المقاول. وكان لهذا المقاول بنت وحيدة نيفت على الأربعين، وهي شابة غير متعلمة وعلى قدر محدود من الجمال لكنها ذات مال… لم تكد تمضي سنة حتى تعرف كبور على الشابة وتقرب منها وما لبث أن تقدم لطلب يدها فوافقت على الزواج به دون أن تكون على معرفة تامة به.

انطوت صفحة من حياة كبور وانبثقت صفحة جديدة بعد أن توثقت عرى الروابط بينه وبين المقاول، إذ أصبح كبور شريكا لهذا الأخير في تسيير ومراقبة أشغال بناء المنازل التي يشرف عليها. على حين مضت حياة كبور بعد ذلك في يسر وتوفرت له بعض وسائل الرفاهية، فبنى لنفسه ولزوجته منزلا في مكان راق واقتنى سيارة فاخرة رباعية الدفع وبذلك أصبح كبور يسبح في بحبوحة من رغد العيش.

وتنصرم ثلاث سنوات، ويزور كبور ذات يوم مسقط رأسه رفقة زوجته على متن سيارته الفاخرة ليشهد حفلة عرس أخيه، فتتطلع عيون شباب القرية إليه بذهول ليلة العرس وهو ينثر الأوراق المالية الزرقاء على أعضاء المجموعة الموسيقية الشعبية التي تكفل باستقدامها لإحياء حفل أخيه. ويتبادل الحاضرون النظرات في تلك الليلة وتميل الآذان نحو الأفواه مستفسرة: من أين لكبور هذا؟ وما هي إلا أن سرى خبر ثروة كبور على لسان كل شباب القرية المعسرين فأيقن هؤلاء أنه ما عاد بعد الذي رأوا داع للبقاء في القرية ثم ما عتم أن قر عزمهم جميعا على مغادرة قريتهم والارتماء في حضن المدينة الكبرى التي يوسع الله فيها رزق كل من يسكنها.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *