بعد تزايد حالات العقوق في حق الوالدين والتي وصلت مؤخرا آلى حد القتل والاغتصاب ،تطرق أستاذ مادة التربية الإسلامية والخطيب أحمد المخلوفي في خطبة الجمعة اليوم 24 دجنبر 2021 الموافق 19 جمادى الأولى 1443 بمسجد السعادة بدوار جديد إلى موضو “بر الوالدين” ..واليكم نص الخطبة كاملا
تيفلت في: 19 جمادى الأولى 1443
الموافق ل: 24 دجنبر 2021
خطبة الجمعة بمسجد السعادة بتيفلت
من إعداد خطيب الجمعة: أحمد المخلوفي
تحت عنوان: بر الوالدين
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه…
لقد جاءت الشريعة الاسلامية تدعو إلى تزكية النفوس وتطهيرها حتى تكون كريمة الأخلاق، نبيلة السجايا، فلم تدع خلقا كريما إلا رغَّبت فيه، ولا خلقا ذميما إلا حذَّرت منه. بل إن جميع الأحكام الشرعية تدور مع الأخلاق حيث دارت فلا ترى حكما شرعيا يعارض الأخلاق ويصادمها.
ومن الأخلاق الاسلامية “بر الوالدين”، قال عز وجل: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقلْ لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما”. وقد قرن الله بر الوالدين والإحسان إليهما بعبادته سبحانه وتعالى، كما قرن شكرهما بشكره مصداقا لقوله تعالى: “واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا” وقال سبحانه: “ان اشكر لي ولوالديك”.
وقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم عقوقهما بالشرك بالله عز وجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر” -ثلاثا- قالوا: بلى يا رسول الله. قال: “الإشراك بالله وعقوق الوالدين …”
تذكر أخي المؤمن أختي المؤمنة فضل والديك عليك فقد حملتك أمك في أحشائها تسعة أشهر وهنا على وهن، وعند الوضع رأت الموت بعينها. ولكن لما رأتك بجانبها زالت آلامها ثم شغلت بخدمتك ليلا ونهارا، تغذيك بصحتها، طعامك لبنها، وبيتك حجرها، ومركبك يداها وصدرها وظهرها، تحيطك وترعاك، تجوع هي لتشبع أنت، وتسهر الليل لتنام أنت.
أما أبوك فهو الذي يكد ويسعى من أجلك. ويدفع عنك أنواع الأذى، ينتقل في الأسفار ويتحمل الأخطار بحثا عن لقمة العيش لينفق عليك ويصلحك.
هذان هما والداك، وتلك هي طفولتك وصباك، فلماذا التنكر للجميل؟ ولماذا العقوق وأنت كبير؟
لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين مقدما على الجهاد في سبيل الله، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: “بر الوالدين.” قلت: ثم أي؟ قال: “الجهاد في سبيل الله.”
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال: “أ حيٌّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد.”
أما من فقدهما فالباب مازال مفتوحا أيضا، وذلك من خلال الدعاء لهما، والترحُّم عليهما، والإحسان إلى أرحامهما وصلتهم، فقد أعطى ابن عمر رضي الله عنه حماره وعمامته لرجل أعرابي رآه في الطريق إكراما لودِّ والده وصحبته مع ذلك الرجل، ولمَّا سُئل عن سبب فعله هذا قال: “أبرُّ البرِّ أن يصل الرجل ودَّ أبيه”
إن لبر الوالدين فضائل عديدة يجنيها العبد البار في دنياه وآخرته، فمن كان بارّا بوالديه فسيرزق بأبناء بارين به. وهو سبب في طول العمر، وسعة الرزق، وحسن الخاتمة. كما أن البر سبب من أسباب إجابة الدعاء، فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بقدوم أويس القرني إليهم وأنه مستجاب الدعوة بسبب برّه لأمه، وأرشدهم لطلب استغفاره لهم، فلما رآه عمر بن الخطاب طلب منه أن يستغفر له فكان ذلك، فهذا عمر مع ما له من الفضل ومع مكانته العظيمة، وكونه من المبشرين بالجنة يطلب الاستغفار من أويس القرني، والسبب في هذا بر أويس بأمه، فالبر هو ما منحه هذا الفضل. ويا له من فضل!
فلنعاهد أنفسنا على البر ولنقدم حاجة والدينا على جميع الحوائج الأخرى، ولنبذل جهدنا في تخصيص مدة من الوقت للجلوس معهم وملاطفتهم ومسايرتهم، فهذا مما يجلب السعادة لقلوبهم. ولنتسابق في فعل الخيرات. أي خير أعظم من أن يبر العبد أهله؟
جعلنا الله وإياكم من البارّين بآبائنا وأمهاتنا ورزقنا الإخلاص وحسن القصد والسداد إنه جواد كريم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على أنبيائه الذين اصطفى، أما بعد،
قد يتساءل البعض إذا تسبب الإبن في سخط والديه ثم ماتا، فهل هناك توبة لمن مات والداه وهما ساخطان عليه؟ وهل يغفر الله له؟
قال صلى الله عليه وسلم: “الندم توبة.” وقال أيضا: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له.”
ولذلك فإذا تاب العاقُّ توبة صادقة قبِل الله توبته وعفا عنه. فإن ثمة من أوجه البر ما يمكن أن يعوض، وهي من الأوجه التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء والاستغفار لهما، من إكرام صديقهما، من صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، إنفاذ عهدهما، وكذلك ما يمكن أن يكون من قضاء الحقوق التي في ذمتهما. قال صلى الله عليه وسلم: “إن العبد ليموت والداه أو أحدهما، وإنه لهما لعاق، فلا يزال يدعو لهما، ويستغفر لهما، حتى يكتبه الله بارّا”
فينبغي للمسلم أن يكثر من الدعاء لوالديه، وأن يتصدق عنهما، ويصل أرحامهما ويكرم أصحابهما.
فاللهم ارحم والدينا كما ربونا صغارا، وأعنا على برهم أحياء وأمواتا.
الدعــــــــــــــاء…