عبد العالي بوعرفي – تيفلت بريس
في إطار تخليد الذكرى التاسعة والستين لتشييد طريق الوحدة، احتضن فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بمدينة تيفلت، صباح الثلاثاء 7 يوليوز 2026، ندوة فكرية تواصلية تحت عنوان “طريق الوحدة… مدرسة في التربية على القيم والبناء المجتمعي”، وذلك في مبادرة مشتركة جمعت بين فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بتيفلت، والمجلس العلمي المحلي للخميسات، والمندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية بالخميسات.
وجاء تنظيم هذه الندوة في سياق تثمين إحدى أبرز المحطات الوطنية التي طبعت مرحلة ما بعد الاستقلال، واستحضار الدلالات التاريخية والرمزية لمشروع طريق الوحدة الذي جسّد روح التضامن والعمل الجماعي، وأسهم في ترسيخ أسس الدولة المغربية الحديثة بقيادة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس وولي عهده آنذاك جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني.
وعرفت التظاهرة حضوراً وازناً ضم ممثلي السلطة المحلية، ورؤساء وممثلي عدد من المصالح الخارجية، والسيد المندوب الإقليمي للشؤون الإسلامية، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني، وأعضاء أسرة المقاومة وجيش التحرير، والقيمين الدينيين والمرشدين والمرشدات، فضلاً عن مهتمين بالشأن التاريخي والثقافي.
واستهلت أشغال الندوة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبتها مراسيم أداء النشيد الوطني، في أجواء اتسمت بروح الاعتزاز بالانتماء الوطني واستحضار التضحيات التي قدمها رجال ونساء الحركة الوطنية والمقاومة من أجل استقلال المملكة ووحدتها.
وتوزعت فقرات اللقاء بين مجموعة من المداخلات العلمية التي قدمها ثلة من الباحثين والمتخصصين، حيث تناول الأستاذ عبد الكريم محموت، الباحث في التاريخ، السياق التاريخي الذي أفرز مشروع طريق الوحدة، مبرزاً أهميته في مرحلة بناء الدولة المغربية المستقلة، ودوره في تعبئة آلاف الشباب المغاربة للمساهمة في ورش وطني جسّد معاني التضامن والتطوع وخدمة الصالح العام.
من جانبه، سلط الأستاذ قاسمي نور الدين، الباحث في التاريخ، الضوء على الأبعاد السياسية والوطنية لهذه المبادرة التاريخية، مبرزاً كيف شكلت طريق الوحدة نموذجاً فريداً في توحيد جهود المغاربة حول مشروع تنموي وطني، ساهم في تعزيز قيم المواطنة والانتماء وترسيخ الوحدة الترابية والالتحام بين مختلف مناطق المملكة.
وفي محور القيم والتربية، قدم الإمام المرشد سعيد جليدي قراءة في المضامين الأخلاقية والإنسانية التي تجسدها تجربة طريق الوحدة، مؤكداً أن قيم الإخلاص، والتعاون، ونكران الذات، والعمل التطوعي، تمثل ركائز أساسية في بناء المجتمع، وهي مبادئ يحث عليها الدين الإسلامي وتنسجم مع الثوابت الوطنية للمملكة.
أما الأستاذ محمد العاطفي، عضو المجلس العلمي المحلي للخميسات، فقد أبرز البعد الروحي والتربوي للمبادرة، معتبراً أن استحضار هذه المحطات التاريخية لا يقتصر على التوثيق للماضي، بل يشكل مناسبة لترسيخ قيم المواطنة الصالحة لدى الأجيال الصاعدة، وتعزيز ثقافة المسؤولية والالتزام بخدمة الوطن.
وأكد المتدخلون، من خلال مختلف مداخلاتهم، أن طريق الوحدة لم تكن مجرد مشروع لربط المناطق بشبكة طرقية، بل شكلت مدرسة وطنية حقيقية في التربية على المواطنة والعمل الجماعي، وأسهمت في بناء الإنسان المغربي وتعزيز روح التضامن والتآزر، بما يجعلها تجربة رائدة تستحق المزيد من التعريف والتثمين.
وشكلت الندوة كذلك فضاءً للحوار وتبادل الرؤى حول أهمية صون الذاكرة الوطنية والمحافظة على الموروث التاريخي للمغرب، باعتباره رصيداً حضارياً يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية، ويعزز ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخ بلادها وإنجازاتها.
وفي ختام اللقاء، تم توزيع شواهد المشاركة على الباحثين والمتدخلين، تقديراً لمساهماتهم العلمية والفكرية في إنجاح هذه التظاهرة، قبل أن يقوم الحاضرون بزيارة لرواق العرض المتحفي بفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بتيفلت، حيث اطلعوا على وثائق وصور تاريخية ومقتنيات تؤرخ لمحطات بارزة من تاريخ المقاومة الوطنية وجيش التحرير، وتبرز التضحيات الجسام التي بذلها المغاربة في سبيل الحرية والاستقلال.
وتندرج هذه المبادرة ضمن سلسلة الأنشطة الثقافية والتربوية الرامية إلى تثمين الذاكرة التاريخية الوطنية، وإحياء المحطات المشرقة في تاريخ المغرب، بما يسهم في ترسيخ قيم الوطنية الصادقة، وتعزيز الوعي الجماعي بأهمية المحافظة على الإرث التاريخي ونقله إلى الأجيال القادمة باعتباره أحد المقومات الأساسية للهوية المغربية


