الرئيسية كتاب الرأي عصر جديد من «العبودية المختارة»…

عصر جديد من «العبودية المختارة»…

كتبه كتب في 30 يوليو 2012 - 1:20 ص
مشاركة
AisPanel
عصر جديد من «العبودية المختارة»…
مصطفى المسناوي المساء

من الظواهر الرمضانية المستجدة عندنا في السنوات الأخيرة ارتفاع حدّة النقد الموجّه إلى المنتوج التلفزيوني المحلي، سواء من قبل الصحافة غير المختصة أو من قبل عموم الناس، في ما بات يعرف باسم «النقد المقطوع»، إشارة إلى أن جلّ ممارسيه (ومنهم من لا يمارس النقد إلا في رمضان) «مقطوعون» من السجائر ومن غيرها، يضطرون إلى ملازمة البيت (أو المقهى بعد الإفطار) لا شغل لهم سوى مشاهدة التلفزيون؛ ومن هنا العنف الشديد الذي يوجهونه إلى المنتوج المحلي الذي لا تتاح لهم مشاهدته في باقي شهور السنة، وحتى حين يصادف أن يتابعوه يحصل ذلك في ظروف جسمية وعصبية مريحة تجعل نقدهم في منتهى الرقة واللطف أو منعدما على الإطلاق.
إلا أن ما يثير ضمن هذه الظاهرة فعلا، كما سجّل ذلك بعض «علماء» التلفزيون (نعم، فقد تم اكتشافهم مؤخرا، في جزيرة غرينلاند)، هو انعدام النقد الذي يمكن توجيهه إلى جهاز التلفزيون نفسه، ليس من جهة المحتوى الذي ينقله، ولكن من جهته هو بالذات، كحامل لهذا المحتوى. بعبارة أخرى، فإنه لم يعد هناك أحد يوجه سهام نقده نحو هذا الحضور الطاغي والمتزايد للتلفزيون في حياتنا اليومية، إلى درجة أن الحياة صارت تتمحور حوله في العديد من المجالات والميادين، مثلما تحوّل هو إلى ما يشبه الأخطبوط الذي يمد أطرافه في كل مكان.
لقد صار من الطبيعي تماما -كما لاحظ هؤلاء «العلماء»- أن تمدّ قنوات التلفزيون فترات بثها لتشمل كل ساعات اليوم، كما لم يعد أحد يتعجب أو يستغرب هذا التناسل السريع من حولنا للفضائيات (العربية والأجنبية) التي وصل عددها إلى ما لا قبل للفرد بمتابعته (تتحدث، مثلا، إحصائيات حديثة عهد عن وجود 640 فضائية عربية في الوقت الحالي)، وكأن النشاط البشري الوحيد الممكن في العالم (ومن ضمنه بلدنا، طبعا) في مطلع الألفية الثالثة هو مشاهدة التلفزيون.
وفعلا، فلم يعد الناس عندنا يتحدثون في ما بينهم عن مسرحيات تابعوها في بناية المسرح ولا عن حفلات موسيقية استمتعوا بها في قاعات العرض أو عن كتب قرؤوها وطبعت حياتهم، بكل بساطة لأن المسرح (كما عرفناه على أيدي هواته كما على أيدي عمالقته، من فرقة المعمورة إلى الطيب الصديقي وأحمد الطيب لعلج وغيرهم كثير) تم القضاء عليه بشكل شبه تام في العقد الأخير، ولأن الفنون الحية عامة قتلها التلفزيون، مثلما قتل قراءة الكتب وحولها إلى شيء ينتمي إلى العصور الغابرة. وإذا كان كثيرون تحدثوا قبل قرابة ثلاثين سنة عن تدمير التلفزيون للعلاقات الاجتماعية وللعلاقات البشرية بوجه عام، فإن بالإمكان الحديث اليوم عن كون هذا الجهاز هو بصدد تدمير الحياة البشرية بالكامل.
ومرة أخرى -يواصل أولئك «العلماء»- فإن الأمر لا يتعلق هنا بالمحتوى الذي يعرضه التلفزيون على شاشته، بقدر ما يتعلق بملئه لكل جوانب الحياة اليومية وبالعمل على فرضه كمعبر واحد أوحد نحو مختلف الثقافات والمعارف والفنون، وإحلاله كبديل للعديد من الأنشطة الفنية والثقافية البشرية، مع إفراغ هذه من بعدها التفاعلي وتحويل المتلقين إلى كائنات سلبية منفعلة تتفرج على الحياة (المتلفزة) بدل أن تعيشها وتعمل على تحويلها نحو الأفضل.
من كل ذلك نستنتج أن أمام نقدنا التلفزيوني «المقطوع» واحد من أمرين كي يتجاوز معاناته السنوية: فإما أن يذهب إلى العمق ويوجه سهامه إلى الحامل نفسه (أي التلفزيون) بدل المحمول (البرامج)، أو يندرج ضمن النقد «العولمي» الجديد الذي طرح القلم جانبا وامتشق مكانه جهاز التحكم عن بعد (أو ما يطلق عليه بالعربية الفصحى «التيليكوماند») مساعدا المستجير من الأرضيات المحلية بمئات الفضائيات العربية على ولوج عصر جديد من «العبودية المختارة».

الجريدة الإلكترونية تيفلت بريس Tifeltpress.com المؤسسة الصحفية: TIF PRESS شهادة إيداع مسلمة من النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالخميسات تحت رقم 01/2018 طبقا لقانون الصحافة والنشر 88.13 tifeltpress@gmali.com الشركة المستضيفة : heberfacile