ترجم خطاب خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس تحولاً حاداً في سياسة حركة حماس الداخلية والخارجية على حدٍ سواء، وهو أمر ليس بالغريب في ظل التطورات السريعة التي تجري على الساحة المحلية والعربية والدولية، وإن كانت دولة محورية قوية كتركيا قامت بتغيير سياساتها ومواقفها، فليس مُستهجناً أن تقوم حركة مثل حركة حماس بصياغة سياسة جديدة في ظل الوضع القائم.
لم يكن خطاب مشعل وحده الذي يُنذر بتحول في سياسة حركة حماس، فما سبقه من خطابات وتصريحات أدلى بها إسماعيل هنية وغيره منذ بداية العام الحالي تتضمن رسائل جديدة بأن حماس اليوم ليست حماس الأمس.
ركز إسماعيل هنية في عدة تصريحات أدلى بها على أن “حركة حماس هي حركة تحرر وطني فلسطيني ذات مرجعية إسلامية”، وتحاول حماس عبر هذه التصريحات توجيه عدة رسائل في آن، فهي من جانب تحاول إبعاد نفسها من دائرة تنظيمات الإسلام السياسي الراديكالية المتطرفة كالإخوان وداعش وغيرها في الوقت الذي يخوض المجتمع الدولي حرباً شرسة عليها، و من الجانب آخر تحاول حماس التقرب من منظمة التحرير الفلسطينية تمهيداً لدخولها.
تسعى حركة حماس لإعادة التوازن للعلاقات وإتباع سياسات حذرة، خصوصاً بعد أن أخطأت بفداحة حينما حسمت موقفها من الأزمة السورية وانحازت للمعارضة، الأمر الذي أخسرها كثيراً ووضعها أمام تحديات صعبة، فهي خسرت الأسد وخسرت الدعم الإيراني، واليوم تركيا لم تعد داعمة كما كانت وتغيرت سياستها وانقلبت فجأة لتصبح حليفة روسيا والأسد.
ناقشت مجلة “foreign affairs” الأمريكية علاقة إيران بحركة حماس بعد التوترات الأخيرة على إثر الأزمة السورية، مشيرة إلى أن إيران تبحث عن بديل لحماس، كوكيل لها في فلسطين. وتابعت المجلة بأن حركة الصابرين التي انشقت عن الجهاد الإسلامي كانت واحدة من أبرز وكلاء إيران في فلسطين. وفي محاولات للتقرب من إيران وتصفية الأجواء كان نائب رئيس المكتب السياسي في الحركة موسى أبو مرزوق يحاول توجيه رسالة ايجابية لإيران من خلال إعلانه عبر قناة الأقصى “أن ما قدمته إيران من دعم للمقاومة الفلسطينية لا يوازيه سقف آخر ولا تستطيع معظم الدول تقديمه”. إضافة إلى ذلك سمحت حركة حماس مع بداية شهر رمضان الماضي لمؤسسات إيرانية مثل “حملة إمداد الإمام الخميني” بتوزيع حصص غذائية وتمونية على عوائل غزية يومياً، في رسالة موجهة إلى طهران تعبيراً عن إرادة إصلاح العلاقات من خلال إعادة السماح لمؤسسات ممولة منها، بالعمل بحرية في غزة بعد التضييق عليها في الآونة الأخيرة، وتأتي مثل هذه التصريحات والمبادرات في سياق محاولة حماس لإعادة ترتيب العلاقة مع إيران.
أما بخصوص العلاقة مع مصر، يمكن وصفها بالسيئة بعد نهاية الحكم الإخواني وتوقف الدعم، وتحاول حماس التقرب من السيسي الذي يمارس عليها سياسة التضييق والحصار، ففي تصريح للناطق باسم الحركة سامي أبو زهري، وجه الشكر للسلطات المصرية فيما يخص تحسين التعامل عبر معبر رفح. من جانب آخر تتزايد الأحاديث في الفترة الأخيرة عن مصالحة مرتقبة بين دحلان وحماس والتي قد تكون مفهومة في إطار تحسين العلاقة الحمساوية المصرية، حيث يُذكر أن دحلان كان قد التقى بالرئيس المصري وتناقشا حول مسألة معبر رفح مما يؤكد وجود اتفاق مرتقب ما بين حماس ودحلان.
فيما يخص المملكة العربية السعودية، صرح ممثل حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في لبنان، علي بركة منذ العام الماضي أن الحركة ليست مع أي محور عربي ضد آخر، مشيراً إلى سعي الحركة لبناء أفضل العلاقات مع الدول العربية والإسلامية. وأضاف، إن الحركة تسعى لبناء أفضل العلاقات مع الدول العربية والإسلامية خاصة المملكة العربية السعودية، مشيراً إلى أن العلاقة مع المملكة تتجه نحو الانفراج.تُظهر سياسة حركة حماس المنعطفة نحو السعودية أن حركة حماس تعمل لتنويع علاقاتها وتجاوز الشراكات التقليدية.
حماس تسعى إلى بناء إستراتيجية جديدة تقوم على نظرية “تصفير المشاكل” التي ابتدعها أحمد أوغلو رئيس الحكومة التركية والتي تعني أن لا يكون لحماس أي مشاكل مع جيرانها. إلا أن الواقع مغاير حيث أننا نلحظ وجود خطابين في الحركة، فتصريحات حماد الأخيرة التي وجه فيها دعوة للفتحاويين بالدخول للإسلام ووصف رئيس حركة فتح ورئيس منظمة التحرير بالكاذب والغداء تأتي متناقضة مع خطاب مشعل الذي يدعو للشراكة والاقتراب من فتح والمنظمة.
لا يخفى وجود انقسام ورؤى مختلفة داخل حركة حماس، سواء فيما يتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، المصالحة الوطنية أو التقارب السعودي أو غيرها من القضايا المحورية. وعليه فإن سياسة التوازن وتصفير المشاكل التي يسعى بعض قادة حماس لتحقيقها ستبقى رهينة لنتائج الانتخابات الداخلية المرتقبة للحركة، فالانتخابات هي التي ستحدد من القادم لرئاسة المكتب السياسي، وعليه ستتحدد ملامح المرحلة القادمة برمتها.
فادي قدري أبو بكر
كاتب وباحث فلسطيني
fadiabubaker@hotmail.com