عبد العالي بوعرفي – تيفلت بريس
في أجواء وطنية وفكرية استحضرت صفحات مشرقة من تاريخ المغرب الحديث، واصلت مدينة تيفلت احتضان الأنشطة المخلدة للذكريات الوطنية المجيدة لشهر غشت، من خلال تنظيم ندوة فكرية بمناسبة الذكرى الثالثة والسبعين لثورة الملك والشعب، وبالتزامن مع الاحتفال بعيد الشباب المجيد.
ونُظمت هذه الندوة يوم الأربعاء 19 غشت 2026، بمبادرة من المكتب المحلي وفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بتيفلت، وبتعاون وتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بالخميسات والمندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية، تحت عنوان: «الشباب المغربي من معركة الاستقلال والتحرير إلى مسيرة البناء والتطوير»، وهو موضوع استحضر التحولات التي عرفها المغرب، وانتقل بالنقاش من مرحلة النضال الوطني من أجل الحرية والاستقلال إلى مسؤولية الأجيال الحالية في مواصلة مسيرة البناء والتنمية.
واستهلت أشغال اللقاء بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، تلتها مراسيم أداء النشيد الوطني، في أجواء طبعتها مشاعر الاعتزاز بالانتماء للوطن واستحضار القيم التي شكلت أساس مسيرة المغرب في مواجهة مختلف التحديات.
وفي كلمة المناسبة، أبرز المكلف بالمكتب المحلي بتيفلت، الأستاذ ياسين جواد، أهمية تخليد المناسبات الوطنية باعتبارها محطات لترسيخ الوعي بتاريخ البلاد وربط الأجيال الجديدة بذاكرة المقاومة والتحرير، مؤكداً أن استحضار تضحيات المغاربة من أجل الاستقلال يظل مدخلاً أساسياً لتعزيز روح المواطنة والمسؤولية لدى الشباب.
وشكلت الجلسة العلمية محوراً أساسياً في برنامج الندوة، من خلال ثلاث مداخلات تناولت موضوع الشباب المغربي من زوايا تاريخية ودينية ووطنية وتنموية متكاملة.
وفي مداخلته، توقف الأستاذ يونس الزهاني، الباحث في التاريخ وأستاذ التعليم بمدينة تيفلت، عند أهمية الذاكرة التاريخية في بناء الوعي المجتمعي لدى الشباب، مبرزاً أن معرفة التاريخ الوطني لا ينبغي أن تظل مجرد استحضار للأحداث والوقائع، وإنما يجب أن تتحول إلى وسيلة لترسيخ قيم الاعتزاز بالوطن والوفاء لتضحيات رجالات المقاومة وجيش التحرير.
وأكدت المداخلة أن ربط الشباب بتاريخ بلادهم يساهم في تعزيز الإحساس بالانتماء، ويمنح الأجيال الصاعدة فهماً أعمق للتحولات التي عرفها المغرب، وللجهود التي بذلت من أجل تحقيق الاستقلال وبناء الدولة الحديثة.
من جانبه، تناول الدكتور محمد بن زايد، عضو المجلس العلمي المحلي بالخميسات، موضوع قيم التلاحم والوفاء التي جسدتها ثورة الملك والشعب، مسلطاً الضوء على الأبعاد التي جعلت من هذه الملحمة الوطنية محطة بارزة في تاريخ المغرب.
كما تطرق إلى التأصيل الشرعي لقيم التضامن والمواطنة الإيجابية، مبرزاً أهمية هذه القيم في بناء مجتمع متماسك يقوم على التعاون والوفاء والمسؤولية المشتركة، مع التأكيد على الدور الذي يمكن أن يضطلع به الشباب في ترجمة هذه المبادئ إلى سلوك وممارسة داخل المجتمع.
أما الدكتور مصطفى بنعييش، عضو المجلس العلمي المحلي بالخميسات، فقد خصص مداخلته للحديث عن أثر القيم الدينية والوطنية في تحفيز الشباب وتعزيز انخراطهم في الأوراش التنموية.
وأبرز أن الاستثمار في طاقات الشباب لا يقتصر على توفير الفرص، وإنما يستدعي أيضاً ترسيخ منظومة من القيم التي تجعل من الشاب فاعلاً إيجابياً ومسؤولاً في محيطه، وقادراً على المساهمة في مسيرة التنمية والتطوير، مستلهماً من التاريخ الوطني روح المبادرة والتضحية وخدمة الصالح العام.
وعكس الحضور الذي شهدته الندوة أهمية الموضوع ومكانة تخليد الذكريات الوطنية في تعزيز الوعي الجماعي، حيث عرفت أشغال اللقاء مشاركة عدد مهم من المقاومين وأعضاء جيش التحرير وأراملهم وأبنائهم، إلى جانب ممثلي المصالح الخارجية والسلطة المحلية، وفعاليات المجتمع المدني، والأئمة والمرشدين، وعدد من المهتمين بالشأن الثقافي والتاريخي.
وشكل حضور أفراد أسرة المقاومة وجيش التحرير بعداً رمزياً خاصاً للقاء، باعتبارهم جزءاً من الذاكرة الحية للمرحلة التي شهدت كفاح المغاربة من أجل الاستقلال، وهو ما أضفى على الندوة بعداً تواصلياً يجمع بين شهادات الماضي وتطلعات الحاضر والمستقبل.
وفي ختام أشغال الندوة، رُفع الدعاء الصالح لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، كما تم الترحم على أرواح شهداء الحرية والاستقلال، وفاءً لذكراهم واستحضاراً لما قدموه من تضحيات في سبيل الوطن.
وعلى هامش اللقاء، قام المشاركون بزيارة إلى رواق العرض المتحفي وخزانة فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بتيفلت، حيث اطلعوا على ما يضمه الفضاء من وثائق ومواد مرتبطة بالذاكرة الوطنية وتاريخ المقاومة والتحرير.
وتأتي هذه الزيارة لتؤكد أن صون الذاكرة الوطنية لا يقتصر على الاحتفاء الرمزي بالمناسبات، بل يمتد إلى تعريف الأجيال الجديدة بمختلف المحطات التي صنعت تاريخ المغرب الحديث، وتحويل فضاءات الذاكرة إلى مواقع للتعلم والتواصل ونقل قيم المواطنة والوفاء للأجيال الصاعدة.
وبذلك، شكلت ندوة «الشباب المغربي من معركة الاستقلال والتحرير إلى مسيرة البناء والتطوير» مناسبة لاستحضار الماضي الوطني واستشراف المستقبل في آن واحد، من خلال التأكيد على أن الشباب الذي يحمل اليوم مسؤولية مواصلة مسيرة البناء، هو امتداد لأجيال ساهمت بالأمس في تحرير الوطن والدفاع عن استقلاله، وأن الاستثمار في وعيه وقيمه وقدراته يظل أحد المداخل الأساسية لمواصلة مسيرة التنمية والتقدم










