الرئيسية أخبار وطنية رحيل المخرج مصطفى الدرقاوي…السينما المغربية تفقد أحد أبرز روادها

رحيل المخرج مصطفى الدرقاوي…السينما المغربية تفقد أحد أبرز روادها

كتبه كتب في 21 أغسطس 2026 - 4:06 م
مشاركة

عبد العالي بوعرفي – تيفلت بريس

فقدت الساحة السينمائية المغربية، اليوم الجمعة، المخرج والسينمائي المغربي مصطفى الدرقاوي، عن عمر ناهز 84 سنة، بعد مسيرة فنية وفكرية طويلة جعلت منه واحداً من أبرز الأسماء التي ساهمت في بناء ملامح السينما المغربية الحديثة وترسيخ حضورها كفضاء للتعبير والتفكير وطرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالإنسان والمجتمع.

ويأتي رحيل الدرقاوي ليطوي صفحة مهمة من تاريخ الفن السابع بالمغرب، بعدما ترك وراءه تجربة سينمائية اتسمت بالبحث والتجريب والجرأة، وبمحاولة مستمرة للخروج من القوالب التقليدية، والانتصار لسينما تنبع من الواقع المغربي وتلامس قضاياه وتحولاته.

وُلد مصطفى الدرقاوي سنة 1944 بمدينة وجدة، واهتم منذ شبابه بالمسرح والفكر والفلسفة، قبل أن يتجه إلى السينما ويواصل تكوينه الأكاديمي في هذا المجال، حيث درس بالمدرسة السينمائية بمدينة وودج في بولندا، وتخرج منها في تخصص الإخراج سنة 1972.

وبعد عودته إلى المغرب، حمل الدرقاوي معه تصوراً مختلفاً للسينما، يقوم على الحرية الفنية والتجريب والبحث عن لغة سينمائية مغربية قادرة على التعبير عن خصوصية المجتمع المغربي، بعيداً عن الاستنساخ أو الخضوع للقوالب الجاهزة.

وقد ارتبط اسمه، بشكل خاص، بتجربة سينمائية تنظر إلى الفيلم باعتباره عملاً فكرياً وفنياً في الوقت نفسه، وليس مجرد منتج موجه للترفيه. وهو ما جعل أعماله حاضرة في النقاشات المتعلقة بهوية السينما المغربية ووظيفتها الاجتماعية والثقافية.

ويحتل فيلم «أحداث بدون دلالة» مكانة خاصة في مسار مصطفى الدرقاوي وفي تاريخ السينما المغربية.فالفيلم، الذي أنجز سنة 1974 بمشاركة مجموعة من الفنانين والمثقفين، حمل رؤية طليعية وجريئة، وسعى إلى تقديم مقاربة مختلفة للواقع وللغة السينمائية. غير أن العمل مُنع من العرض في المغرب، ليظل لسنوات طويلة بعيداً عن الجمهور، قبل أن تتم استعادته وترميمه انطلاقاً من المواد الأصلية، ويعود إلى الواجهة بعد عقود من إنجازه.

وقد شكلت استعادة الفيلم وترميمه سنة 2019 محطة رمزية في مسار حفظ الذاكرة السينمائية المغربية، بعدما عاد العمل إلى التداول والعرض، ليكتشفه جيل جديد من المهتمين بالسينما والنقاد والباحثين.

لم يكن مصطفى الدرقاوي يتعامل مع السينما باعتبارها مجرد صناعة للفرجة أو وسيلة لسرد الحكايات، بل كان ينظر إليها كأداة للتفكير وإعادة قراءة الواقع وطرح الأسئلة.

ولهذا اتسمت تجربته بارتباط واضح بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، وبمحاولة تفكيك العلاقات والتحولات التي يعيشها المجتمع، مع الاشتغال على الشكل السينمائي باعتباره جزءاً أساسياً من مضمون الفيلم.

وتشير مراجع سينمائية إلى أن مشروعه كان يقوم على البحث عن سينما حرة وملتزمة، وعلى تطوير أشكال جديدة في التعبير السينمائي، مستفيداً من خلفيته في المسرح والأدب والفكر والموسيقى.

ومن هنا اكتسبت أعماله خصوصيتها، إذ لم تكن تكتفي بتقديم الواقع كما هو، وإنما كانت تحاول مساءلته، والبحث في ما وراء الصورة والحكاية، وفتح المجال أمام المتلقي للمشاركة في عملية التأويل والتفكير.

خلال مسيرته الفنية، قدم مصطفى الدرقاوي مجموعة من الأعمال التي أصبحت جزءاً من ذاكرة السينما المغربية، من بينها «أيام شهرزاد الجميلة»، و**«عنوان مؤقت»، و«أبواب الليل السبعة»، و«أنا – لعبة – في الماضي»، و«غراميات الحاج المختار الصولدي»، إضافة إلى «الدار البيضاء ليلاً» و«الدار البيضاء داي لايت».

وتعكس هذه الأعمال تنوع اهتماماته واستمراره في البحث عن أساليب وطرق مختلفة في الكتابة والإخراج، بما جعله واحداً من المخرجين الذين ارتبط اسمهم بالتجديد داخل المشهد السينمائي المغربي.

كما حظيت تجربته بتقدير داخل الوسط السينمائي، ومن أبرز محطات الاعتراف بمساره تكريمه خلال الدورة السابعة للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش سنة 2007.

ينتمي الدرقاوي إلى جيل من السينمائيين المغاربة الذين اشتغلوا في مرحلة كان فيها بناء سينما وطنية حديثة لا يزال يواجه تحديات متعددة، سواء على مستوى الإنتاج أو التوزيع أو علاقة السينمائي بالواقع الثقافي والاجتماعي.

وفي هذا السياق، لم يكن حضوره مقتصراً على إخراج الأفلام، بل ساهمت رؤيته الفنية والفكرية في توسيع النقاش حول طبيعة السينما المغربية، وحول قدرتها على إنتاج لغة خاصة بها تعكس المجتمع وتحولاته.

وقد وصفته مؤسسات ومراجع سينمائية بأنه أحد رواد السينما المغربية الحديثة، بالنظر إلى اختياراته الفنية القائمة على الابتكار والبحث عن هوية سينمائية مغربية ذات خصوصية.

برحيل مصطفى الدرقاوي، تفقد السينما المغربية أحد أبرز مبدعيها وأحد الأصوات التي اختارت أن تجعل من الكاميرا وسيلة للسؤال قبل أن تكون وسيلة للفرجة.

لكن رحيل المخرج لا يعني نهاية حضوره؛ فالأعمال التي تركها، والأسئلة التي أثارها، والاختيارات الجمالية والفكرية التي دافع عنها، ستظل جزءاً من الذاكرة السينمائية المغربية، ومادة مفتوحة أمام الباحثين والسينمائيين والأجيال الجديدة.

ويعيد رحيله، في الوقت نفسه، التأكيد على أهمية حفظ الذاكرة السينمائية الوطنية، من خلال ترميم الأفلام القديمة، وتوثيق شهادات روادها، وإتاحة أعمالهم للأجيال الجديدة، حتى لا تضيع التجارب المؤسسة وسط تعاقب السنوات.

لقد عاش مصطفى الدرقاوي مؤمناً بأن السينما يمكن أن تكون أكثر من صورة وحكاية؛ يمكن أن تكون سؤالاً مفتوحاً حول الإنسان والمجتمع والواقع. وفي هذا المعنى، فإن أثره لن يُقاس فقط بعدد الأفلام التي أخرجها، بل أيضاً بما تركه من أسئلة في وجدان السينما المغربية.

برحيله، تخسر الساحة الفنية المغربية واحداً من أبنائها الكبار، لكنها تحتفظ بإرث مخرج جعل من التجريب والحرية والبحث عن الحقيقة الفنية عنواناً لمساره.

رحم الله المخرج مصطفى الدرقاوي، وألهم أسرته وذويه والأسرة السينمائية المغربية الصبر والسلوان

الجريدة الإلكترونية تيفلت بريس Tifeltpress.com المؤسسة الصحفية: TIF PRESS شهادة إيداع مسلمة من النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالخميسات تحت رقم 01/2018 طبقا لقانون الصحافة والنشر 88.13 tifeltpress@gmali.com الشركة المستضيفة : heberfacile