عبد العالي بوعرفي – تيفلت بريس
يقدم حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية برنامجه الانتخابي برؤية سياسية وتنموية تقوم على جعل المواطن محوراً للسياسات العمومية، وربط التنمية الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية والمجالية، وتحسين جودة الخدمات الأساسية، مع مواكبة التحولات الرقمية والاقتصادية والبيئية التي يعرفها المغرب.
ويأتي هذا التصور في إطار برنامج انتخابي يقدمه الحزب باعتباره مشروعاً يقوم على حلول واقعية ورؤية اجتماعية وتنموية، مع التأكيد على قيم احترام القانون، والمشاركة السياسية، والتماسك الاجتماعي، وتحقيق تكافؤ الفرص وتقليص التفاوتات المجالية.
رؤية عامة: الديمقراطية الاجتماعية والعدالة وتكافؤ الفرص
في صلب البرنامج الانتخابي للحركة الديمقراطية الاجتماعية توجد رؤية عامة ترتكز على الديمقراطية الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتحسين الخدمات العمومية.
ويضع الحزب تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية ضمن أولوياته، انطلاقاً من قناعة مفادها أن التنمية لا يمكن أن تكون متوازنة ما لم يستفد المواطنون، بمختلف المناطق والفئات، من فرص متقاربة في التعليم والصحة والشغل والخدمات الأساسية.
كما يولي البرنامج أهمية للاستثمار في الإنسان وتحسين القدرة على الولوج إلى الخدمات العمومية، بما ينسجم مع المرجعية الاجتماعية للحزب وأهدافه المعلنة في ترسيخ العدالة الاجتماعية وصيانة الكرامة الإنسانية.
العالم القروي والعدالة المجالية.. تنمية لا تستثني المناطق البعيدة
يحتل العالم القروي والعدالة المجالية موقعاً بارزاً ضمن البرنامج الانتخابي، من خلال مجموعة من الأولويات التي تستهدف تقليص الفوارق بين المجالات وتقريب الخدمات من السكان.
ويطرح الحزب في هذا الإطار قضايا الماء، والتطهير، والربط الرقمي، والطرق والمسالك، وتقريب الخدمات، باعتبارها مداخل أساسية لفك العزلة وتحقيق تنمية متوازنة.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنظر إلى استمرار التحديات المرتبطة بالبنيات والخدمات في عدد من المناطق القروية، حيث يربط البرنامج بين تحسين البنية التحتية وتحقيق العدالة المجالية وإتاحة فرص التنمية أمام السكان.
كما ينسجم هذا التوجه مع المرجعية المعلنة للحزب التي تؤكد على النهوض بالعالم القروي وتقليص الفوارق المجالية.
التشغيل والاستثمار.. اقتصاد منتج يخلق فرصاً جديدة
في المجال الاقتصادي، يراهن البرنامج على اقتصاد منتج ومتنوع، وعلى دعم الاستثمار والمقاولات والتعاونيات، مع تثمين المنتجات المجالية وتشجيع السياحة القروية.
ولا يقتصر التصور على استقطاب الاستثمار فقط، بل يربطه بخلق فرص الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي، خصوصاً في المجالات التي تتوفر على مؤهلات طبيعية وفلاحية وسياحية.
ويحضر كذلك دعم المبادرات والمقاولات والتعاونيات كآلية لتحويل الإمكانات المحلية إلى مشاريع منتجة، بما يساهم في خلق الثروة وفرص العمل وتحسين مداخيل الأسر.
وتأتي هذه المقاربة ضمن تصور أوسع للحزب يجعل الاقتصاد والاستثمار رافعة لتحسين الظروف المعيشية، وليس هدفاً منفصلاً عن البعد الاجتماعي.
الماء والغذاء والطاقة.. تعزيز السيادة وحماية الموارد
ومن أبرز محاور البرنامج سيادة الماء والغذاء والطاقة، في ظل التحولات المناخية والاقتصادية التي تجعل تدبير الموارد الطبيعية قضية استراتيجية.
ويقترح البرنامج عدداً من الأولويات، من بينها تحلية المياه، وتقليص ضياع الموارد المائية، وتشجيع الري المقتصد، ودعم الفلاحين، وتعزيز التخزين.
كما يولي أهمية للطاقات الشمسية والريحية والنجاعة الطاقية، بما يفتح المجال أمام تنمية أكثر استدامة وتقليل الضغط على الموارد الطبيعية.
ويعكس هذا المحور توجهاً نحو ربط التنمية الاقتصادية بالحفاظ على الموارد وضمان الأمن المائي والغذائي والطاقي للأجيال المقبلة.
التعليم والتكوين.. الاستثمار في الإنسان
يعتبر التعليم والتكوين والتعلم مدى الحياة أحد المحاور الأساسية في البرنامج الانتخابي، انطلاقاً من أن بناء اقتصاد قوي ومجتمع متوازن يمر عبر الاستثمار في الرأسمال البشري.
ويركز التصور على مدرسة جيدة، وتكوين مرتبط بسوق العمل، ومرونة الجامعة، وإتاحة فرصة ثانية، وتعزيز التكوين المستمر.
ويعني ذلك، وفق الرؤية المطروحة، الانتقال من التعامل مع التعليم باعتباره قطاعاً اجتماعياً فقط إلى اعتباره رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ووسيلة لرفع قابلية الشباب للاندماج في سوق الشغل.
كما ينسجم هذا المحور مع توجه الحزب نحو تثمين العنصر البشري والاهتمام بالشباب والتكوين، وهي مبادئ حاضرة أيضاً في مرجعيته التنظيمية والسياسية.
الصحة والحماية الاجتماعية.. المواطن أولاً
يحضر الحق في الصحة والحماية الاجتماعية بقوة في البرنامج، من خلال التركيز على الوقاية والكشف المبكر، وتعزيز الصحة القروية، وتوفير فرق طبية وتمريضية متنقلة، إلى جانب تتبع الأمراض المزمنة.
ويقترح البرنامج تصوراً يقوم على تقريب الخدمات الصحية من المواطنين، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف التجهيزات أو صعوبة الولوج إلى المؤسسات الصحية.
ومن بين الأفكار الواردة كذلك تعزيز الوقاية والكشف المبكر، باعتبارهما مدخلاً لتقليص كلفة المرض وتحسين جودة الحياة.
ويضع هذا التصور الصحة في إطار أوسع للدولة الاجتماعية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالعلاج، بل بالوقاية والحماية الاجتماعية وتحسين جودة الخدمات.
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.. إدارة أكثر سرعة وفعالية
ولا يغفل البرنامج التحولات التكنولوجية المتسارعة، حيث خصص محوراً لـالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وتشمل الرؤية رقمنة الإدارة، وتبسيط الخدمات، وتعزيز الهوية الرقمية، وتقوية الأمن الرقمي، وحماية المعطيات، وإتاحة اتخاذ القرار بالاعتماد على المعطيات، مع مراعاة قابلية الخدمات الرقمية للولوج من طرف الجميع.
ويعكس هذا المحور رغبة في جعل الرقمنة أداة لتقريب الإدارة من المواطن، والحد من التعقيدات الإدارية، وتسريع معالجة الملفات، وتحسين جودة الخدمات العمومية.
فالتحول الرقمي، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يكون مجرد تحديث تقني للإدارة، وإنما وسيلة لإعادة بناء علاقة أكثر فعالية بين المواطن والمؤسسات.
دولة الحق والقانون.. إدارة فعالة ومؤسسات قريبة
أما المحور المرتبط بـدولة الحق والقانون والفعالية والمشاركة، فيركز على مجموعة من المبادئ المرتبطة بتحديث الإدارة والمؤسسات.
ومن بين الأولويات المطروحة تبسيط المساطر، وتقييم أثر السياسات العمومية، واعتماد إدارة فعالة، ورقمنة المحاكم، وتعزيز استقلال القضاء، وتقوية مشاركة المواطنين.
ويضع البرنامج بذلك الحكامة الجيدة وتحديث المؤسسات ضمن الشروط الأساسية لإنجاح باقي السياسات العمومية، لأن البرامج التنموية، مهما كانت طموحة، تحتاج إلى إدارة فعالة وقريبة وآليات واضحة للتتبع والتقييم.
ويتقاطع ذلك مع المرجعية المعلنة للحزب التي تشدد على ترسيخ دولة الحق والقانون والحكامة الجيدة ومحاربة الفساد.
برنامج يجمع بين الاقتصاد والبعد الاجتماعي
وتكمن خصوصية البرنامج الانتخابي للحركة الديمقراطية الاجتماعية في محاولة الجمع بين مجموعة من المجالات التي غالباً ما يتم التعامل معها بشكل منفصل: الاقتصاد والتشغيل، العدالة المجالية، التعليم، الصحة، الماء، الطاقة، الرقمنة والحكامة.
فدعم الاستثمار، وفق هذه الرؤية، يرتبط بالتشغيل؛ والتنمية القروية ترتبط بفك العزلة وتقريب الخدمات؛ والتعليم يرتبط بسوق الشغل؛ والرقمنة ترتبط بتحديث الإدارة؛ بينما ترتبط حماية الموارد الطبيعية بالأمن المائي والغذائي والطاقي.
وبذلك يسعى البرنامج إلى تقديم تصور متكامل للتنمية، يجعل القطاعات المختلفة مترابطة بدل الاشتغال عليها كملفات منفصلة.
نحو تنمية أقرب إلى المواطن
وتنسجم هذه الرؤية مع توجه الحزب نحو تعزيز القرب من المواطنين والاستماع إلى انشغالاتهم، وهو توجه ظهر أيضاً في الدينامية التنظيمية للحزب استعداداً للاستحقاقات الانتخابية، من خلال لقاءات تواصلية بمختلف جهات المملكة.
كما أن الحزب شدد، خلال لقاءاته مع مرشحيه، على اعتماد خطاب واقعي والابتعاد عن الوعود غير القابلة للتنفيذ، مع التركيز على القرب والإنصات للمواطنين واستدامة التواصل معهم.
خلاصة
من خلال محاوره الثمانية، يقدم حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية برنامجاً انتخابياً يضع المواطن في مركز العملية التنموية، ويربط بين العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، الاستثمار والتشغيل، التعليم والصحة، السيادة المائية والغذائية والطاقية، التحول الرقمي، ودولة الحق والقانون.
إنها رؤية تسعى إلى بناء تنمية أكثر توازناً، لا تقتصر على المدن والمراكز، بل تمتد إلى العالم القروي والمناطق الأقل استفادة من الخدمات، مع الاستثمار في الإنسان باعتباره أساس التنمية المستدامة